ابن كثير
48
قصص الأنبياء
ذكر موسى وهارون في الناس على هذه الصفة الجميلة ، أفزعه ذلك ، ورأى أمرا بهره ، وأعمى بصيرته وبصره ، وكان فيه كيد ومكر وخداع ، وصنعة بليغة في الصد عن سبيل الله ، فقال مخاطبا للسحرة بحضرة الناس : " آمنتم له قبل أن آذن لكم " أي هلا شاورتموني فيما صنعتم من الامر الفظيع بحضرة رعيتي ؟ ! ثم تهدد وتوعد وأبرق وأرعد ، وكذب فأبعد قائلا : " إنه لكبيركم الذي علمكم السحر " ، وقال في الآية الأخرى : " إن هذا لمكر مكرتموه في المدينة لتخرجوا منها أهلها فسوف تعلمون " . وهذا الذي قاله من البهتان [ الذي ( 1 ) ] يعلم كل فرد عاقل ( 2 ) ما فيه من الكفر والكذب والهذيان ، بل لا يروج مثله على الصبيان ، فإن الناس كلهم من أهل دولته وغيرهم يعلمون أن موسى لم يره هؤلاء يوما من الدهر ، فكيف يكون كبيرهم الذي علمهم السحر ؟ ثم هو لم يجمعهم ولا علم باجتماعهم ، حتى كان فرعون هو الذي استدعاهم ، واجتباهم من كل فج عميق ، وواد سحيق ، ومن حواضر بلاد مصر والأطراف ، ومن المدن والأرياف . * * * قال الله تعالى في سورة الأعراف : " ثم بعثنا من بعدهم موسى بآياتنا إلى فرعون وملئه ، فظلموا بها فانظر كيف كان عاقبة المفسدين * وقال موسى يا فرعون إني رسول من رب العالمين * حقيق على أن لا أقول على الله إلا الحق ، قد جئتكم ببينة من ربكم ، فأرسل معي بني إسرائيل *
--> ( 1 ) من ا ( 2 ) ا : كل عاقل